عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

149

اللباب في علوم الكتاب

البليّة ولم يتضرّعوا على سبيل الإخلاص للّه تعالى ، فلهذا الفرق حسن الإثبات والنفي « 1 » . فصل : [ احتج الجبائي بقوله : « لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ » على أنه - تعالى - إنما أرسل الرسل إليهم ، وإنما سلط البأساء والضراء عليهم لإرادة أن يتضرعوا أو يؤمنوا ] احتج الجبّائي « 2 » بقوله : « لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ » على أنه - تعالى - إنما أرسل الرسل إليهم ، وإنما سلّط البأساء والضّرّاء عليهم لإرادة أن يتضرعوا أو يؤمنوا ، وذلك يدلّ على أنه - تعالى - أراد الإيمان والطاعة من الكلّ . والجواب أن كلمة « لعلّ » للتّرجّي والتّمنّي ، وهو في حق اللّه - تعالى - محال ، وأنتم حملتموه على إرادة هذا المطلوب ، ونحن نحمله على أنه - تعالى - عاملهم معاملة لو صدرت عن غير اللّه لكان المقصود منه هذا المعنى ، فأمّا تعليل حكم اللّه - تعالى - ومشيئته ، فذلك محال على ما ثبت بالدّليل ، ثم نقول : إن دلّت هذه الآية على قولكم من هذا الوجه ، فإنها تدلّ على ضدّ قولكم من وجه آخر ، وذلك لأنها تدلّ على أنهم إنما لم يتضرّعوا لقسوة قلوبهم ، ولأجل أنّ الشّيطان زيّن لهم أعمالهم ، فنقول : تلك القسوة إن [ حصلت بفعلهم احتاجوا في إيجادها إلى سبب آخر ولزم التسلسل وإن ] « 3 » حصلت بفعل اللّه - تعالى - فالقول قولنا . وأيضا : هب أن الكفّار إنما أقدموا على هذا الفعل القبيح [ بسبب تزيين الشيطان ، إلّا أنا نقول : ولم بقي الشيطان مصرا على هذا الفعل القبيح ] « 4 » فإن كان ذلك لأجل شيطان آخر تسلسل إلى غير نهاية ، وإذا بطلت هذه التّقادير وانتهت إلى أنّ كلّ أحد إنما يقدم تارة على الخير وأخرى على الشّرّ ؛ لأجل الدّواعي التي تحصل في قلبه ثم ثبت أن تلك الدّواعي لا تحصل إلّا بإيجاد اللّه ، فحينئذ يصحّ قولنا ، ويفسد قولهم بالكلية ، واللّه أعلم . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 44 إلى 45 ] فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 ) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 45 ) وهذا من تمام القصة الأولى بيّن تعالى أنه أخذهم بالبأساء والضرّاء لعلّهم يتضرّعوا ثمّ بيّن في هذه الآية أنهم لما نسوا ما ذكّروا به من البأساء والضّرّاء فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء ، ونقلناهم من البأساء والضّرّاء إلى الرّاحة والرّخاء ، وأنواع الآلاء والنعماء والمقصود أنه - تعالى - عاملهم بتسليط المكاره والشّدائد تارة ، فلم ينتفعوا به ، فنقلهم من تلك الحالة إلى ضدّها ، وهو فتح أبواب الخيرات عليهم ، فلم ينتفعوا به أيضا ، وهذا كما يفعله الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلبا لصلاحه .

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 12 / 185 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) سقط في أ .